محاكمة الخصخصه

محاكمة الخصخصه

محاسب/عبد المنعم السيد

مفهوم الخصخصه :

لقد دخل مصطلح الخصخصه حديثاً إلى علم الإقتصاد السياسى وفرض نفسه بقوه كبيره .. لكنه على الرغم من ذلك لا يوجد له تعريف محدد .. ويوجد عدة تعريفات لمفهوم الخصخصه لعل أشهرها : هو مجموعه من السياسات المتكامله التى تستهدف الإعتماد الأكبر على أليات السوق ومبادرات القطاع الخاص والمنافسه من أجل تحقيق أهداف التنميه والعداله الإجتماعيه وينتج ذلك من خلال التعاقد أو بيع خدمات أو مؤسسات تسيطر عليها الدوله إلى أطراف من القطاع الخاص وزيادة نسبة مساهمة القطاع الخاص فى الناتج القومى على حساب القطاع العام  .

تاريخ الخصخصه فى مصر

بدأ تطبيق سياسة الخصخصه فى مصر فى بدايات عام 1993 فى عهد حكومة الدكتور / عاطف صدقى  ” رئيس الوزراء ووزير قطاع الأعمال ” – أنذاك – وبدأت ببيع شركة الكوكاكولا إلى السيد/ محمد نصير ” رجل الأعمال الشهير وبيع فندق شيراتون القاهره عام 1993 .

وتوقفت عملية الخصخصه فى عام 2010 فى عهد حكومة الدكتور / أحمد نظيف وأخر شركة تم بيعها هى شركة عمر أفندى – التى أثارت مشاكل حتى اليوم – وشركة المعدات التليفونيه وكان الوزير المختص فى ذات الوقت هو الدكتور محمود محى الدين وزير الإستثمار

المعروف أن برنامج الخصخصه فى مصر أتى ضمن حزمه من الإجراءات التى إلتزمت بها مصر للوصول إلى إتفاق مع البنك الدولى والصندوق الدولى للتخلص من نصف ديونها الخارجيه مطلع تسعينات القرن الماضى كما أن مصر قامت بالتوقيع على إتفاقية عضوية لجنة الإستثمار بمنطقة التعاون الإقتصادى والتنميه التى تشترط على مصر إلغاء إحتكار القطاع العام لبعض الأنشطه مثل الإتصالات وتوليد الكهرباء دون وجود أى إستفاده حقيقيه عائده لمصر من التوقيع على هذه الإتفاقيات وخلال فترة الخصخصه التى أمتدت لأكثر من 17 عام فقدت مصر خلالها كثير من ثرواتها وأصولها المملوكه لديها وتم بيعها بأبخس الأثمان ، وتم بيع كافة أصول الدوله المصريه ولم يتبقى منها سوى 136 شركه مازالت تابعه و مملوكه للدوله

والأزمه الماليه فى مصر لم تحل ..

وقد جاءت عملية الخصخصه وفتحت الباب واسعاً لتمكين مجموعه من المستثمرين الأجانب والعرب والمصريين من وضع أيديهم على عشرات من الشركات والمصانع المملوكه للدوله بأسعار زهيده جداً .. ومضت الحكومات المصريه المتعاقبه من الدكتور / عاطف صدقى حتى الدكتور/ أحمد نظيف بتدمير المشروعات الإنتاجيه والتى كانت أحد مصادر الدخل القومى وبيعها بأثمان بخسه وتشريد العماله المصريه وزيادة أعداد البطاله

ورغم الإعتصامات والإضرابات العماليه إلا أن الدوله أنذاك كانت لاتسمح لأحد .. وكانت تصر على المضى فى عمليه البيع

 

ومن أشهر المشروعات التى تم بيعها

 

 

 

ويبقى الدكتور / عاطف عبيد منذ أن كان وزيراً لقطاع الأعمال العام ثم رئيساً للوزراء النموذج الأكبر فى فساد الخصخصه حيث تم فى عهده ووزيرة – مختار خطاب – بيع أكبر وأنجح الشركات بأثمان بخسه لاتتناسب مع قيمة الأصول والأراضى فى الشركه المباعه .

حيث تميزت فترة عاطف عبيد ومختار خطاب بوجود رؤساء لجان برلمانيه ” فى مجلس الشعب والشورى” هم فى الوقت نفسه رؤساء بنوك كانوا يمنحون المستثمرون قروض من بنوكهم لتمويل عمليات الشراء وأشهر مثل على ذلك منح أحمد عز قرض لشراء شركة حديد الدخيله .

 

عيوب الخصخصه

هناك العديد من العيوب فى برنامج الخصخصه فى مصر يأتى على رأسها :-

1.  لم تتم عملية تجهيز القطاع الخاص المصرى بشكل جيد يتيح له تكوين رؤؤس أموال من خلال ثقه المدخرين فى إمكانيات القطاع الخاص لإستثمار أموالهم بحيث يكون دور الإستثمارات الأجنبيه مساعداً وليس أساس قيام الإستثمارات فى مصر كما حدث .

2.  لو أديرت البنوك العامه والعامله فى مصر خلال الفتره السابقه بشكل صحيح يتيح لها الإستثمار فى أصول الدوله لأمكنها الدخول بقوه فى شراء الشركات المطروحه للخصخصه أو على الأقل شراء حصه حاكمه فيها ثم تقوم بعد ذلك البنوك بتوسيع قاعدة الملكيه عن طريق طرح الأسهم فى البورصه المصريه مما يؤدى إلى زيادة حركة التدوال وإنتعاش البورصه   وتوجيهها صعوداً مثل ماحدث فى ماليزيا عندما قررت البدء فى تطبيق برنامج الخصخصه .

3.  أن غالبية مساهمات الأجانب جاءت فى شكل شراء إستثمارات قائمه .. ولم تلزمهم عقود البيع بضرورة زيادة الطاقه الإنتاجيه أو تحديث أساليب الإنتاج أو زيادة حجم الصادرات للمنتجات المصنعه أو إنشاء مصانع أو مرافق أو خطوط إنتاج جديده ، بل على العكس وجدنا أن معظم المصانع التى تم بيعها بنظام الخصخصه تم إغلاقها وتسريح العماله وقيام المستثمر الأجنبى ببيع الأصول الثابته والأراضى الخاصه بالشركات التى قيمتها السوقيه أكبر من قيمة الصفقه مما أدى إلى زيادة معدلات البطاله وإنخفاض الناتج القومى الإجمالى للدوله وزيادة عبء الإستيراد .

4.  لم تحاول الحكومه إصلاح أو إعادة هيكلة الشركات التى تم خصخصتها ولم تنجح فى حل المشاكل القائمه فى تلك الشركات .. وكأن الإصلاح مستحيل ولجأت للبيع دون ضوابط ..

5.  غياب الدور الرقابى للدوله فى تقييم الخدمات المقدمه ومدى جودتها ومواءمتها للسعر فالرقابه دور أصيل للدوله فى ظل إقتصاد السوق الحر خاصة بعد توقيع مصر على إتفاقية الإستثمار – المثيره للجدل – بمنظمة التعاون الإقتصادى والتنميه .

6.  الأثار الإجتماعيه السلبيه التى ترتبت على عملية الخصخصه من تسريح وتشريد العماله وعدم توافر فرص عمل بديله وعدم إستخدام الحصيله فى أعمال بنيه أساسيه ومرافق أو فتح مجالات لفرص عمل جديده .

 

غياب الشفافيه :-

فى كل مره يتم فيها خصخصة شركة من شركات القطاع العام نصتدم بالأسعار البخسه والمتدنيه التى يتم بها تقييم الأصول والأراضى المملوكه للشركه المباعه .

ويأتى هذا نتيجة الفساد الذى يشوب عملية البيع وكذلك إختلاف المعايير التى يتم على أساسها تقييم الأصول المملوكه للشركه المراد بيعها

 فمثلاً نجد أن من ضمن هذه المعايير تقييم سعر المتر للأرض المقام عليها المشروع والمطروحه للخصخصه – وفقاً لسعر المتر فى أقرب مدينة عمرانيه وهذا منطق غير صحيح لأن التقييم يجب أن يتم وفقاً للسعر السوقى وطبقا للمزايا الموجوده فى هذه الأرض وموقعها ومدى قربها وبعدها عن الخدمات

ومن ضمن المعايير أيضاً ..

فإن الشركات قليله الربحيه يكون الحد الأدنى لسعر تقييمها هو ثمانية أضعاف المتوسط السنوى لأرباحها خلال السنوات الثلاث قبل بيعها

أى أن .. المشترى ( المستثمر ) يمكنه إسترداد كل مادفعه من خلال الأرباح المعتاده خلال الثلاث سنوات التاليه لبيعها

وهذا المعيار غير صحيح .. لأنه قد تكون الأرباح متدينه بسبب سوء الإداره حتى لو كانت أصولها عالية القيمه وبالتالى فإن تحديد سعر البيع بهذا المعيار يؤدى إلى إهدار المال العام ، كما أن للجمعيات العموميه لشركات قطاع الأعمال العام – المراد خصخصتها – الحق فى أن توافق على ثمن يقل عن القيمه الدفتريه

ومن المعروف أن هذه الجمعيات وأعضاؤها خاضعين لأوامر الوزير الذى يملك المنح والمنع كما أن هناك شبهات فى برنامج الخصخصه المصرى وغياب للشفافيه فى عملية تقييم الشركات التى يتم بيعها وقد أصرت وزارة قطاع الأعمال العام على منع الجهاز المركزى للمحاسبات من مراقبة عمليات الخصخصه حتى عام 1999 وسمح له بعد ذلك . بعد أن تم بيع 69% من الشركات  .

خسائر الخصخصه :-

تتعدى خسائر الخصخصه مليارات الجنيهات التى ضاعت على الإقتصاد المصرى  فقد بلغت خسائر قطاع المنسوجات المصريه على أكثر من 10 مليارات جنيه مصرى بالإضافه إلى توقف 65 مصنع تعرض للإغلاق نتيجة لتردى الحاله الإقتصاديه وتراجع قيمة رواتب العمال وعدم صرفها بإنتظام نظراً لعشوائية البنود المحدده فى عقود الخصخصه تعتبرخصخصة القطاع العام وبيعه كارثه حقيقيه فقد قامت الحكومه المصريه ببيع عدد 236 شركه بسعر 33 مليار جنيه مصرى فى حين أنها تقدر بسعر 270 مليار جنيه مصرى مما يعنى إهدار 240 مليار جنيه على الدوله ورغم كلام الحكومه الدائم من أنه لن يضار أى عامل فى عملية الخصخصه إلا أنه فى ظل تطبيق برنامج الخصخصه إنخفض عدد العاملين قطاع الأعمال من  مليون موظف إلى 370 / ألف موظف فى حين أنه لم يستفيد من نظام المعاش المبكر سوى 186 ألف موظف فقط ، وهذا يمثل خسائر للتنميه البشريه فى مصر

كما أن خطط الحكومه المصريه كانت تقوم على بيع الشركات الرابحه أولاً لجذب المستثمرين .. الأمر الذى يعنى أن الدوله تبقى لنفسها الشركات الخاسره التى تكلف الدوله المصريه – أنذاك – 3.1 مليار جنيه سنوياً قيمة خسائر شركات القطاع العام دون أن تقوم الحكومه بتطوير الشركات الخاسره وإعادة هيكلتها بما يسمح لها بتحقيق أرباح ولكن .. كان الهدف إستمرار خسائر الشركات تمهيداً لبيعها بأقل الأثمان بحجة خسائرها وديونها .

كما أن من أهم سلبيات حكومة د. عاطف عبيد فى الخصخصه كانت عدم وضوح الضمانات والإشتراطات الخاصه بإستمرار أنشطة الشركات وتنميتها بعد بيعها .. ونتيجة لهذه السياسات ذهبت الشركات إلى رجال أعمال حققوا مكاسب مضاعفه وخياليه بدون أية قيود وأقرب مثل لذلك هو عملية خصخصة ( بنك الأسكندريه ) الذى إستحوذ عليه مستثمر إيطالى وهى مجموعه

( سان باولو ) المصرفيه دون أن تمتلك الحكومه المصريه الحق فى منعه أو مساءلته لعدم وجود ما يمنع فى عقد البيع أن يشارك جهات أخرى أجنبيه ، وكذلك ما حدث فى ( صفقة عمر أفندى ) كما أن الصناعات الإستيراتيجيه التى يجب أن تكون للدوله سلطه عليها مثل ( الحديد – الأسمنت – الدواء……..) قامت الحكومه بالتفريط فيها وتركها للقطاع الخاص مما أدى إلى زيادة كثيره فى أسعار هذه السلع فى السوق المحلى حيث أرتفع من 850 جنيه لطن الحديد إلى 7000 جنيه للطن وكان الأجدر بالحكومه الإحتفاظ بمصانعها من الصناعات الإستيراتيجيه وفتح الباب أيضاً للقطاع الخاص للدخول فى المنافسة مما  يعطى فرصه أكبر لزيادة الإنتاج

فالخصخصه الحقيقيه لا تهدف إلى التحويل الأعمى فى الملكيه من القطاع العام إلى القطاع الخاص ولكن يشترط لعملية الخصخصه الإشتراط على التحديث والتطوير للشركات التى تمت خصخصتها لكى تواكب العصر وزيادة معدلات الإنتاج ورقى المنتج وتحديث إمكانيات الشركه تكنولوجياً وتدريب العماله على أحدث التقنيات العالميه حتى نحظى بصناعة تكنولوجيه متطوره .

وتزداد الصوره قتامه عندما نعلم أن قيمة ماتم تحصيله من عمليات البيع والخصخصه العشوائيه التى قامت بها الحكومات المتعاقبه تم إنفاقها على سداد معظمها على مديونيات الشركات المباعه فأرقام الحكومه عام 2003 طبقاً لتقرير الجهاز المركزى للمحاسبات نجد أن حصيلة بيع القطاع العام حتى وقتها كانت 16.9 مليار جنيه تم سدادها من خلال :

 3 مليارات جنيه تم إنفاقها كتعويضات للعمال الخارجين على المعاش المبكر

6.4 مليار جنيه تسويه ديون الشركات المباعه

6.6 مليار تم تحويلها إلى وزارة الماليه ليتم إهدارها فى الموازنه العامه للدوله

0.9 مليار جنيه أنفقت على الإصلاح الإدارى للشركات ( فى شكل مكافأت وحوافز وبرامج تدريب وهميه )

أى أن حصيلة بيع القطاع العام أهدرت بالكامل فى عام 2003 بينما خلفت ورائها أكثر من 450/ ألف عامل إنضموا إلى طابور البطاله

كما أن تقرير الجهاز المركزى للمحاسبات حول الشركات المباعه .. كشف عن تراجع واضح فى أداء هذه الشركات وإنها فشلت فى خلق عماله جديده . بل ساهمت فى زيادة أعداد البطاله بخروج العمال – فى سن العمل – إلى المعاش المبكر .

إقتراحات الحلول

من المعروف فى القانون المصرى والقانون الدولى أن أية عقود بيع شابها غش وتدليس يمكن إلغاؤها قانوناً .. وإعتبار عملية البيع كأن لم تكن .. وأقرب مثل لذلك صدور حكم المحكمه الإداريه العليا بإلغاء واقعة بيع شركه عمر أفندى المباعه لشركة أنوال السعوديه كما أن مع تدنى أسعار أسهم الشركات المباعه يمكن للدوله والحكومه المصريه عن طريق إعادة شراء الأسهم  من جديد إذ رأت أن أسعار الأسهم السوقيه فى البورصه أقل من القيمه الفعليه والدفتريه لأسهم الشركات المباعه .. أو على الأقل شراء نسبه حاكمه فى هذه الشركات لإعادة ملكية الدوله لأصولها.

                                               عبد المنعم السيد

                                                      محاسب قانونى وباحث إقتصادى

                                                          عضو نادى خبراء المال

                                                                 عضو جمعية شباب الأعمال

                                                        مستشار ومحكم بمركز التحكيم الدولى

info@almohaseboon.com E-mail

About admin