الحكم المحلي

نتناول في هذا الفصل قضية تطوير الحكم المحلي.  تهدف هذه الاقتراحات إلى إعطاء المحليات مزيدا من الاستقلالية في إدارة شؤونها واختيار المسئولين عنها وفي صرف ميزانيتها وتنويع مصادر دخلها واستقلاليتها في تحديد الأولويات في الميزانية ورقابة أكبر في صرف هذه الميزانيات. وستؤدي هذه الإجراءات إلى رفع مستوى الخدمات في المحليات والمحافظات، كما ستخلق آليات تمكن المحافظات والبلديات من توجيه إمكانياتها للاستفادة من الميزات النوعية لها لتنشيط الحركة التجارية وفتح فرص عمل لأبنائها وخلق جو من التنافس البناء بين المحافظات لاجتذاب المستثمرين والمتسوقين على السواء، و التعاون والتنسيق بينها لاقتراح المشاريع التنموية الكبيرة لكي تقوم الحكومة المركزية بتمويلها جزئيا أو كليا.

تنقسم البلاد حاليا إلى 227 محافظة تتبع وزارة الداخلية. ويرأس كل محافظة محافظ ومجلس تنفيذي يعينه رئيس الجمهورية أو الوزير المختص. وعلى المستوى الذي يلي المحافظ توجد مجالس شعبية منتخبة على مستوى المحافظة والمنطقة، ولكن صلاحيات هذه الهيئات محدودة جدا مقارنة بالمجالس التنفيذية. يوجد في مصر 4496 بلدية قروية و 199 بلدية مدينة. ويدير البلديات مجلس تنفيذي تعينه الحكومة المركزية. وتجري الانتخابات البلدية للمجالس الشعبية كل أربع سنوات. أما سلطات المجالس المنتخبة فقليلة نسبيا، والغالبية العظمى من أعضائها (95 بالمائة) ينتمون إلى الحزب الحاكم، أي الحزب الوطني الديمقراطي. تتمتع الهيئات الحكومية المحلية في مصر بصلاحيات محدودة نسبيا من الاستقلال المالي والضريبي. فجميع ميزانيات المحافظات والمناطق والبلديات جزء من الميزانية المركزية المعتمدة من قبل مجلس الشعب. وتبلغ الأموال المحولة من الحكومة المركزية 90 بالمائة من عائدات الإدارات المحلية. والبلديات مسئولة عن الرعاية الصحية والتعليم وعن تطوير البنية التحتية وتوفير الخدمات العامة. والوضع الحالي يعاني من مركزية شديدة أدت إلى تدهور شديد في مستوى الخدمات بجانب عجز الحكومة المركزية عن انجاز المشروعات الاقتصادية الضخمة التي تؤدي إلى ارتفاع مستوى المعيشة أو إحداث النمو الاقتصادي المطلوب.

و الحقيقة أن هناك نطاق واسع من التصورات بين الخبراء والمختصين حول تحديد صلاحيات الحكومة المركزية والمحافظات والبلديات. وينعكس هذا على النماذج الكثيرة المطبقة في بلدان العالم المتقدم. وعموما اللامركزية أكثر كفاءة في توصيل الخدمات للمواطنين ورفع مستوى المعيشة بينما تساعد المركزية القوية الحكومة على القيام بالإنجازات الضخمة والمشروعات الكبيرة ولكن في أحيان كثيرة قد تكون على حساب الطبقات الفقيرة من الشعب،  أو ربما بالتضحية بأجيال بأكملها مقابل وعود لا تتحقق وأعذار واهية. ونحن نري أن أي برنامج للتنمية في مصر لابد أن يكون بالشعب ومن أجل الشعب. وحتى يكون التغيير المقترح مفهوما ومقبولا وسريعا فقد احتفظ بالهيكل السياسي الأساسي مع إزالة المعوقات التي أدت إلى تدهور الخدمات ومستوى المعيشة، وإدخال التعديلات اللازمة التي تبعث في المحافظات والبلديات الحيوية والفاعلية والإيجابية اللازمة لتحريك الأنشطة الاقتصادية في شتى المجالات. وفيما يلي عرض موجز لهذه المقترحات لتفعيل اللامركزية السياسية و الإدارية و المالية:

1- يتولى السلطة التشريعية على مستوى المحافظات مجالس شعبية تتكون بالانتخاب ولا يشترط للمرشح أن يكون عضوا في حزب سياسي.  وتأتي انتخابات هذه المجالس بعد انتهاء انتخابات مجلس الشعب ويختار المجلس له رئيسا وتكون مدة الرئاسة سنة واحدة قابلة للتجديد مرة واحدة خلال دورة المجلس.  يرشح المجلس 3 أسماء لمنصب المحافظ. يعين رئيس الوزراء و احد منهم لوظيفة المحافظ. و يرشح وزير الداخلية 3 أسماء لمنصب مدير الأمن بالمحافظة و يعين المحافظ أحدهم. ويعين المحافظ مجلسا تنفيذيا له لإدارة المحافظة. ولإبعاد الشبهات المتعلقة بنزاهة الانتخابات يجب أن لا تتم عملية تحرير وإعداد جداول الناخبين تحت وصاية وإشراف السلطة التنفيذية كما هو متبع الآن. مع تعديل قانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية ولائحته التنفيذية، وإسناد مهمة إعداد جداول الناخبين و المرشحين إلي هيئة محايدة تخضع لرقابة وإشراف وتبعية السلطة القضائية، علي أن تتمتع باستقلالية كاملة في مواجهة السلطة التنفيذية وعلي أن يبدأ الإشراف القضائي من قيد الأسماء بالجداول الانتخابية، وحتى إعلان النتيجة النهائية.

2-  يتولى المجلس الشعبي للمحافظة مناقشة الخطة العامة واعتماد الميزانية السنوية ومناقشة ما قد يتطلب من تعديلات بها وتلقي طلبات وشكاوي المحليات ورقابة جودة الخدمات التي تؤديها الحكومة المركزية والمحلية، ووضع التشريعات والقوانين المحلية والموافقة على المشروعات والمناقصات التي تزيد عن حد معين يحدده الوزير المختص. وعادة تكون جلسات المجالس الشعبية مفتوحة ويعلن عن موعدها في الجريدة المحلية، ولا تكون الجلسات مغلقة إلا بموافقة الوزير المختص أو في حضور قاضى المنطقة.  يقدم المحافظ تقريرا شهريا لمجلس المحافظة. و يجوز أن يطلب المجلس الشعبي من رئيس الوزراء إقالة المحافظ إذا صوت المجلس بأغلبية 75% على الأقل. ويحق للجان من أعضاء المجالس الشعبية القيام بزيارات ميدانية ( في وجود الصحافة كجهة مستقلة) للمدارس والمستشفيات والإدارات الحكومية المختلفة والأقسام والسجون.

3- تتولى المحافظة الأشراف على الرعاية الصحية و الرياضية ومراقبة أداء المدارس الحكومية وإدارة الأمن والطوارئ والكوارث، والمحافظة على البيئة ورقابة تطبيق مواصفات الجودة في الأنشطة التي يقوم بها القطاع الخاص والخدمات التي تقدمها الجمعيات الخيرية والمستشفيات، وتطبق القوانين واللوائح المنظمة للأنشطة التجارية. كما تتولى أيضا دعم الأسر الفقيرة ومشروعات البنية الأساسية والطرق والمواصلات الداخلية  .ورخص السيارات و تراخيص الصحف المحلية.

وتتولى المحليات مهمات النظافة والتجميل و تراخيص البناء و التراخيص الصناعية والتجارية وتقسيم المناطق ومجالس التصالح الأهلية والإطفاء والإسعاف و إدارة المنافع العامة.  وتشرف المحليات على الأوقاف وإنشاء صناديق للزكاة والإشراف على صناديق الزكاة الموجدة وصناديق النذور التابعة لها.  و الإشراف على المدارس من خلال مندوبين عن المحلية في مجالس الآباء. وتخصص جزء من الضرائب العقارية والسكنية لتدعيم المدارس والأنشطة الطلابية وتدعيم دروس التقوية في المدارس والفصول المسائية للتنمية المهنية والحرفية  وصيانة وإنشاء الحدائق والإنارة، والتوعية والدعاية والتسويق لتنشيط الحركة التجارية واجتذاب المستثمرين ولإحداث انتعاش اقتصادي في المنطقة وخلق فرص وظيفية لمواطنيها مثل تدعيم برامج التدريب للشركات المحلية لأبناء المنطقة وتأجير الأراضي التي تملكها الدولة للمشروعات، أو الدخول كشريك بالأرض أو إنشاء حضانات للصناعات الناشئة.

4- توزع ضريبة المبيعات بنسبة 25% من عائد المحلية للمحليات 30% للمحافظة و الباقي للدولة. و تخصص المحافظة صندوق تكافل عام للكوارث و الطوارئ و يصرف ما تبقى منه لمساعدة البلديات الفقيرة. توزع الضرائب العقارية والتراخيص بنسبة 40% للمحليات و 30% للمحافظة و 30% للدولة ( عل سبيل المثال).  و تتولى المحافظات والبلديات حصر ممتلكات و ثروات الدولة في منطقتها و الاستفادة منها لخلق مصادر دخل جديدة و متجددة للمحافظات و المحليات. ووضع التشريعات لتقسيم حصيلة الثروات الطبيعية المستخرجة من المنطقة بين الحكومة المركزية والمحافظة التابعة لها المنطقة. يجوز للمحليات وضع قواعد وقوانين محلية وفرض ما تراه مناسبا من رسوم بموافقة المجالس الشعبية بما يتمشى مع الصالح العام للمحلية على ألا يتعارض ذلك مع القواعد العامة التي تقرها المحافظة أو القوانين أو الدستور. و تقوم المحافظة بتمويل 50% على الأقل من المشروعات المشتركة التي تتقدم بها محليتان أو أكثر.

5- تقوم الحكومة المركزية بعمل دورات تدريبية بصورة دورية لكافة العاملين في المحافظات والبلديات لإدخال أحدث أساليب الإدارة وخدمة المواطنين ولرفع كفاءة أداء هذه الإدارات، ويمكن الاستفادة من عشرات البرامج والمنح المجانية المتوفرة لدى الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية ومن الدول المتقدمة.  وعلى الحكومة المركزية تشجيع المحافظات على وضع خطط تنموية بمساعدة مجلس الشورى لتستفيد من ميزاتها النوعية لتحقق تميز وتفوق اقتصادي.  مثال لذلك أن تقرر أحد المحافظات أن يكون هدفها أن تصبح مركزا لزراعة الزهور التصديرية والنباتات الطبية وتقوم المحافظة بالاستعانة بالخبراء على مستوى الدولة ومن خارجها لوضع الخطط المطلوبة لتوفير البذور والشتلات والنشرات الإرشادية و تشجيع المزارعين وتدريبهم وعمل مراكز للتجميع و الحفظ والتسويق والنقل والتصدير. كما تقوم بالتنسيق بين المزارعين والتجار والمصدرين والخبراء والممولين والأسواق الداخلية والخارجية وبين الحكومة للحصول على الدعم المالي والإداري والفني لإنجاح المشروع. وبالمثل يمكن أن تخطط محافظة لتصبح مركزا للصناعات الزراعية وأخري للإنتاج الحيواني وثالثة لصناعة الآلات الزراعية ورابعة لمزارع الأسماك وخامسة لإقامة المشروعات السياحية. ومن المفيد أن يكون طابع التخصص أيضا سمة للمدن الصناعية الجديدة مثل البرمجيات والالكترونيات، وصناعة السيارات والحافلات، وصناعات الأدوية والكيماويات، والصناعات البترولية، مما يساعد كثيرا في اختيار المنطقة و إنشاء البنية التحتية وتوفير الخدمات الأساسية المطلوبة بكفاءة عالية.

About admin